محمد هادي معرفة

277

شبهات وردود حول القرآن الكريم

والدليل على ذلك أنّ الوارد في سورتي الدخان والقدر هو النزول والتفريق ، وليس أصل التقدير ، فتدبّر جيّدا . فاللّه تبارك وتعالى يعلم تقدير الأمور حسب مجاريها علما في الأزل ، لكنّه تعالى ينزل بهذا التقدير في كلّ ليلة قدر بشأن تفريقه طول ذلك العام ، الأمر الذي لا يبدو عليه أيّ شبهة تناقض . متى وقع التقدير ؟ وهل لا يتنافى التقدير مع الاختيار ؟ جاء في سورة الدخان أنّ التقدير إنّما يقع في كلّ ليلة قدر من شهر رمضان في كلّ سنة فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ . « 1 » وقد وردت روايات أيضا بأنّ ما يقع في تلك السنّة إنّما يقدّر في ليلة القدر . هذا ، في حين كثرة الآيات والروايات بأنّ التقدير إنّما وقع في الأزل ، وتجري الأمور حسبما قدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل . ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها . « 2 » وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ . « 3 » على أنّ هذه الآيات ترمي إلى سلب مسؤولية الإنسان عمّا يفعله ، حيث إنّه كان مقدّرا له من قبل . وهذا يتنافى وقوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً . « 4 » أمّا المسألة الأولى فقد سبق البحث عنها في مسألة البداء وأنّ هناك تقديرين ، تقدير ظاهري حسب مجاري الأمور الطبيعية من علل وأسباب تتفاعل حسب طبيعتها الأولى ، وهي السنن الساطية على الكون . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . « 5 » وهذه السنن ليست حتمية ، في حين كونها هي الغالبة ، حيث احتمال مفاجأة أمور

--> ( 1 ) الدخان 44 : 4 . ( 2 ) الحديد 57 : 22 . ( 3 ) فاطر 35 : 11 . ( 4 ) الإسراء 17 : 13 . ( 5 ) القمر 54 : 49 .